الواضح أن الحكومة اليمنية هي الوحيدة والفريدة من نوعها التي تتحمس لتمرير قانون يتعارض مع دستور الدولة ومع المعاهدات والاتفاقيات الدولية الملتزمة بها والموقعة عليها, والأغرب والأعجب في أمر هذه الحكومة أنها تصر وعلى رؤوس الأشهاد على تمرير قانون "يعتبر تجسيداً حياً لدولة المخابرات "الدولة البوليسية" ويستبطن استحضار واستعادة أسوأ الممارسات والآليات التي اعتمدتها سلطة النظام الإمامي وكانت هي الدافع الرئيسي والحاسم للانقلاب أو الثورة عليه في 26سبتمبر 1962: الجباية والرهائن.
ومن يصدق مثلاً, أن الحكومة في هذه البلاد تدفع بكل ما أوتيت من طاقات وقوات مرئية وخفية من أجل إجازة أول قانون يهدم كيان الأسرة ويشجع زوجتك أو ابنتك على التجسس عليك عبر منح مبلغ مالي "نسبة" إذا ما سارعت أحداهن للإبلاغ عنك.
من يصدق بأن ثمة حكومة في الألفية الثالثة تملك الجرأة على تشريع قانون يتضمن فقرات تسوغ الابتزاز وتعطي لمأمور الضرائب الحق في اقتحام مكان العمل وتفتيش الأجهزة وفتح الخزائن ودخول غرف النوم والاستيلاء على أي أوراق أو وثائق بدون أمر قضائي.
من يصدق بهذه الأعجوبة التي تسمى "قانون" وتعطى لأجهزة الجباية صلاحيات تنتهك الدستور وصلاحيات لا يجوز الطعن فيها بما في ذلك صلاحية تحصيل الضريبة على بضاعة مازالت في الميناء وصلاحية مصادرة البيت ولعب الأطفال والحقائب المدرسية وكافة الوسائل الضرورية للمعيشة وحتى صلاحية مصادرة أموال الضامن فيما إذا كان لديك ضامن والشريك أيضاً.
من يصدق انه وفي اليمن بالذات هناك من يضع القوانين وهو ليس مشرعاً وان اليمن هو البلد الوحيد الذي توجد فيه دائرة دستورية مكونة من 7 قضاة وخاضعة للمحكمة العليا في حين أن المتعارف عليه في العالم قاطبة والحديث خاصة بأن المحكمة الدستورية يجب أن تكون أعلى من المحكمة العليا.
من يصدق بهذا الجموح المتوحش لتكريس نمط الدولة الريعية التي لا ينحصر دورها في أكثر من التفكير على تحصيل الجباية وتحويل السكان وبالدرجة الأولى فئة التجار والمستثمرين إلى طرائد تلاحقهم عيون وعصي المأمورين المكلفين بتحصيل الجباية تحت عنوان تنفيذ ما جاء في هذا القانون السيئ الصيت "قانون الضريبة على المبيعات".
ولن نستطرد كثيراً في عرض ما تطرق إليه أستاذ علم القانون الجنائي بجامعة صنعاء والمحامي الأبرز على هذا الصعيد د. حسن مجلي في محاضرته القيمة بمنتدى الجاوي الثقافي يوم الأربعاء الماضي وقد كانت عبارة عن تلخيص مكثف للعريضة المرفوعة من قبله على رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب ورئيس الوزراء ووزير المالية وكان الدكتور حسن مجلي قد اشتغل عليها خلال خمسة أعوام وصارت بمثابة كتاب نادر يتكون من 253 مع حافظة المستندات, وهو كتاب يفضح المخالفات الدستورية والقانونية التي تحط من كرامة الإنسان وتشيع المناخات والأجواء الاستبدادية والبوليسية وتكشف عن عجز الدولة وهشاشة بنيانها وانحطاطها إلى درك السلطة الجبائية العسكرية القبلية المنافية لروح العصر واتجاه التاريخ.